الأحد، نوفمبر 13، 2011

عار على كل مصرى

Sun, 13/11/2011 - 08:०५

قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية كان رجل أعمال من أصل ألمانى، اسمه «أوسكار شيندلر»، قد نجح فى إنقاذ أكثر من ألف يهودى بولندى مما نعرفه الآن باسم «المحرقة» من أصل نحو أربعة آلاف كدسهم الاحتلال النازى فى «كراكوف» تمهيداً لنقلهم إلى «آوشفتز» حيث عنابر الغاز. تحولت هذه القصة عام 93 إلى فيلم سينمائى رائع باسم «قائمة شيندلر»، أخرجه «ستيفن سبيلبيرج»، وكان من أبرز نجومه «ليام نيسون» و«بن كينجسلى».

بكل أسف، وبكل مرارة، وبكل عار، لا يستطيع الذهن مقاومة الربط بين بعض الجوانب من هذه القصة الإنسانية الحزينة المشينة وبعض الجوانب من قصة أخرى إنسانية حزينة مشينة وقعت على أرض مصر فى مثل هذا اليوم قبل خمسة أسابيع. بينما بلغت الفوضى مداها أثناء تظاهرة الأقباط أمام مبنى ماسبيرو وفى محيطه مساء 9 أكتوبر، يصل رجل أعمال مصرى مسلم بصعوبة بالغة إلى مبنى شركته المطل مباشرة على الأحداث. لم ير فى حياته - وهو الذى رأى الكثير فى مناطق الحروب - منظراً كهذا حين كافح كى يجد لقدميه موطئاً بين الجرحى والقتلى والأشلاء البشرية التى تملأ الآن مدخل المبنى وفى الممر الضيق المظلم المخيف المؤدى إلى درجات السلم.

لم يخطر بباله إن كانت الأشلاء لمسلم أو لمسيحى. لا يخطر هذا ببال إنسان فى قلبه ذرة من الإنسانية. لكنه حين صعد إلى شركته اصطدم بالرعب فى كل أرجائها، بين العاملين فيها وبين وجوه غريبة مذعورة تبحث يائسة عن ملجأ. نحو أربعين، من بينهم من يبدو من ملابسه بوضوح أنه رجل دين مسيحى.

كيف يتصرف؟.. يتصرف الرجل كأى رجل فى دمه ذرة من النبل والشهامة. يرسم له الآن موظفوه صورة مخيفة لاقتحام أفراد من الشرطة العسكرية مقر الشركة قبل قليل بالرشاشات فى هيئة مرعبة بحثاً عن شىء ما. «اسمك إيه ياض؟».. «محمد».. «عدّى إنت، فين الأقباط؟». وهؤلاء كانوا يتنقلون فى خفية من غرفة إلى أخرى ومن أى زاوية يمكن أن تكون مخبأ إلى أخرى.

دهاليز الشركة الكبيرة فى هذه البناية القديمة كانت من لطف الله. لكن رجل الأعمال يتخذ سريعاً قراراً بإخفاء المسيحيين جميعاً فى دورات المياه. وفى مشهد إنسانى يجلب الدموع يتقدم بعض العاملين المسلمين فى الشركة ببطاقاتهم الشخصية لإخوتهم المسيحيين: «لو اتمسكتوا قولوا إن إنتو إحنا».

قضى الرجل مع موظفيه ليلتهم الأولى تحت الحصار على ضوء الشموع يحرسون إخوتهم من المسيحيين المكدسين الآن فى دورات المياه. من وقت لآخر تفاجئهم الشرطة العسكرية للتفتيش، أحياناً بمفردها وأحياناً مصحوبة بمن يرتدون أزياء مدنية، وكأنه مشهد لفريق من «الجستابو» منتزع من أحد أفلام الحرب العالمية الثانية.

يمر الوقت بطيئاً ثقيلاً. يفتح رجل الأعمال الباب كى يطمئن عليهم أحياناً، ولإمدادهم بالطعام والشراب أحياناً أخرى. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلاً. بدأ الرجل يفكر معهم فى خطة لتسريبهم من الباب الخلفى، فرادى ومثنى وثلاث، ومع كل منهم قصة مبتكرة يجيب بها إذا استوقفه أحد. اترك لخيالك العنان فى سيناريو قبيح يجبر المصرى على اختلاق عذر للسير فى شوارعه، ويضطر المسيحى إلى التذرع بصلاة الفجر فى المسجد.

يستمر الحال على هذا المنوال لنحو ثمان وأربعين ساعة ينجح أثناءها الرجل فى تسريبهم جميعاً بأمان عدا واحداً: القس. أمام محاولات متكررة مستميتة من رجل الأعمال بقى القس متمسكاً بدينه وبكرامته: «مش هاغيّر هدومى ولو على جثتى».

لا يملك الإنسان، من أى دين ومن أى جنس ومن أى وطن، أن يحمل لقس كهذا إلا كل احترام وكل تقدير، ولا أن يحمل لرجل أعمال كهذا إلا كل امتنان وكل افتخار. لكن هذا المشهد فى ذلك الأحد الدامى يمثل طفرة نوعية مزعجة فى تحالف السلطة المغرض مع الجهل القاتل على ما لا يمكن لعاقل أن يقبله.

قولوا لنا إن أفراداً من الشرطة العسكرية فقدوا أعصابهم وسط الفوضى فأخطأوا. قولوا لنا إنهم حين دهسوا إخوة لهم لم يكونوا يعتقدون أن هذا حلال. قولوا لنا إن ورثة «أمن الدولة» حين نظروا إلى خانة الديانة كانوا ضالين مضللين، فاسدين مفسدين. قولوا لنا إنكم ببساطة أخطأتم، فهذا أكرم لكم ولنا وللبلد كله. قولوا لنا علّنا نسامح.

حتى الأنبياء أنفسهم يخطئون، بل إن أحدهم قتل نفساً بغير وجه حق. الفارق أنه ندم على ما فعل. حتى هذه اللحظة لم يعترف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بأن من أداروا أزمة الأحد الدامى - أمنياً وإعلامياً - ارتكبوا أى خطأ يستحق الندم. هذا - فى حد ذاته - خطأ أفدح وأكثر خطورة.

استقيموا يرحمكم الله।



مقال من المصرى اليوم للمحترم يسرى فودة


ولا أزيد عليه حرفا


هناك 8 تعليقات:

Ramy يقول...

كفايه المقال




أصلى كنت كاتب تعليق طويل

و قلت

كفاية المقال

سواح في ملك اللــــــــــــــــــه- يقول...

لااملك الا ان احيي هذا الرجل

واحيي القس الذي تمسك بهويته ولم يتنازل عنها

واحيي يسري فودة

وفي الاخر يافينوس

تجدين ان رجل مصري يحمي اخا له مصريا

لافرق (الهوية مصريون )

ابراهيم رزق يقول...

لا حول و لا قوة الا بالله

تصدقى يا فينوس كان يوم الجمعة الماضى تجمع للمدونين للتبرع بالدم و بعدها جلسنا على مقهى البورصة و بالصدفة مرت المسيرة لتكريم شهداء ماسبيرو لاول مرة يخلوا التبرع من المسيحين كلا لظروفه لكن وقف الجميع و صفق للمسيرة و وقف كل من فى البورصة و صفق
هذا الرجل ليس نموذج و لكنه الطبيعى
و لكن نحن فى زمن لا يحتفى الا بكل مشوه و بغيض
تحياتى

وصف الاحساس يقول...

ﻻ حول وﻻ قوه اﻻ بالله

وجعني بجد المقال ده
ده احنا ماشيين بنخبط في بعض
يعني يا قاتل يا مقتول
مسلسل حرب اﻻستنراف ده واخدنا لفين
الله اعلم
ربنا يحمي مصر

zizi يقول...

لا املك الا ان ابكي ..ولو اي حد فينا نحن البني ادمين الأسوياء مكانه لفعلنا مثل ما فعل ..يا فينوس لما الليل بيخيم قوي معناه ان الفجر قرب يطلع .وادينا كلنا في انتظار الفجر ..تحياتي واشواقي لكي

Days and Nights يقول...

الأخت الغالية / فينوس

الصبر طيب

ودوام الحال من المحال

وإن شاء الله ربنا معانا

سعادتى كانت بالغة

عند تضرع أكثر من 70 ألف مصرى

مسلم ومسيحى

يوم الجمعة الماضى فى المقطم

يدعون الله جميعهم أن يحمى هذة البلد

دائماأيد واحده

وبعد الليل أكيد فيه نهار

تحياتى لروحك الطيبة

ودمتى بكل الود

Unknown يقول...

لم يحك لى احداً
ان مثل هذا قد حدث!
ياويلنا أن أصبح فى
بلدنا القتل على
الهوية حينها
نصير لبنان
أخر او سرييفوا
جديدة!!!

Emtiaz Zourob يقول...

لا حول ولا قوة إلا بالله .. صدقيني كلنا زعلنا على اخوتنا المسيحيين .. ربنا يجازي اللي كان السبب في هالفتنة ..

ماحدث في ماسبيرو كان كارثة انسانية .. ان شاء الله لا تتكرر .. بالنسبة لرجل الاعمال المسلم .. هذه هي أخلاق الاسلام السمح .. والتي اتمنى ان تصل للجميع .. بعيدا عن المنحرفين والمضللين ..

ربنا معاكم ويحفظ لكم مصر الحبيبة ..